نسبه صلى الله عليه وسلم
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نذار بن معد بن عدنان . إلى هنا معلوم الصحة . وما فوق عدنان مختلف فيه . ولا خلاف أن عدنان من ولد إسماعيل وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب . والقول بأنه إسحاق باطل .
ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل . وكانت وقعة الفيل تقدمة قدمها الله لنبيه وبيته وإلا فأهل الفيل نصارى أهل كتاب دينهم خير من دين أهل مكة . لأنهم عباد أوثان . فنصرهم الله نصرا لا صنع للبشر فيه تقدمة للنبي الذي أخرجته قريش من مكة . وتعظيما للبلد الحرام .
إيذاء قريش لرسول الله
صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته لقي من قريش عنتا وشدة وأوذي في سبيل الله إيذاء شديدا ما بين سب وشتم وغير ذلك خاصة عندما عاب آلهتهم فعند ذلك أعظموا هذا الأمر وأنكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انظروا قريشا كيف يصرف الله عني شتمهم ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمدا . أخرجه البخاري وقد قيض الله جل وعلا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب - وكان مشركا على دين آبائه - ليمنعه ويحميه من أذى قريش له فلما رأت قريش أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعيب آلهتهم ولا ينتهي عن ذلك ورأوا أن عمه أبو طالب يمنعه ويحميه منهم مشوا إلى أبي طالب فكلموه وقالوا إما أن تكفه عن آلهتنا وعن الكلام في ديننا وإما أن تخلي بيننا وبينه فقال لهم قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا ثم بعد ذلك أكثرت قريش من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحض بعضهم بعضا عليه ومشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا إن لك نسبا وشرفا فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله ما نصبر على شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا حتى تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوته لهم ولم يطب نفسا أن يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا أن يخذله فدعا محمدا فقال يا ابن أخي إن قومك قد جاءوا إلي فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه بداء وأنه خاذله ومسلمه فقال يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي فأقبل إليه فقال اذهب فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك أبدا . ثم إن قريشا أتوا أبا طالب فقالوا يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصرته واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك نقتله فإنما رجل كرجل فقال بئس والله ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله ما لا يكون أبدا فقال المطعم بن عدي والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وشهدوا على التخلص مما تكره فما أراك تقبل منهم شيئا فقال والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك . وهذه بعض النماذج من إيذائه على الصلاة والسلام عن ربيعة الدؤلي قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول لا يغرنكم عن دينكم ودين آبائكم قلت من هذا قالوا أبو لهب. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته فما فاجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له ما لك قال إن بيني وبينه لخندقا من نار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا لاختطفته الملائكة عضوا عضوا , أخرجه مسلم . وذكر ابن إسحاق عن ابن عباس أن أبا جهل قال يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر فإذا سجد فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد منا ف ما بدا لهم فلما أصبح أبو جهل أخذا الحجر وجلس وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقام يصلي بين الركنين الأسود واليماني وكان يصلي إلى الشام وجلست قريش في أنديتها ينظرون فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مرعوبا منتقعا لونه قد يبست يداه على حجره حتى قذف به من يده وقامت رجالات قريش فقالوا ما لك يا أبا الحكم فقال قمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلنا دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني وعن عبد الله بن عمرو قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس من قريش وبالقرب منه سلى بعير - أي أمعاءه وأحشاءه - إذ قالوا من يأخذ سلى هذا الجزور فيقذفه على ظهره فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره صلى الله عليه وسلم وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك قال عبد الله فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم إلا يومئذ فقال ( اللهم عليك بالملأ من قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف .
قال عبد الله فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر وألقوا في القليب غير أن أمية كان رجلا بدينا فتقطع قبل أن يبلغ به البئر . متفق عليه .
ومن المواقف التي تدل على شدة إيذاء كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه الزبير أنه قال لعبد الله بن عمرو ما أكثر ما نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم قال حضرتهم يوما وقد اجتمع أشرافهم في الحجر يوما فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط قد سفه أحلامنا وسب آلهتنا وفعل وفعل فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستلم الركن وطاف بالبيت فلما مر غمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجهه فلما مر الثانية غمزوه فلما مر الثالثة غمزوه فوقف فقال ألا تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح قال فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأن على رأسه طائر وقع حتى إن أشدهم فيه وطأة ليسكنه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم فوالله ما كنت جهولا فانصرف صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغ عنكم حتى إذا بادءكم بما تكرهون تركتموه فبينا هم في ذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا فيقول نعم فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه فقام أبو بكر دونهم يبكي ويقول ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ثم انصرفوا عنه فحدثني بعض آل أبي بكر أن أم كلثوم بنت أبي بكر قالت رجع أبي يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جذبوه بلحيته وكان كثير الشعر .
وقال ابن إسحاق لما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك. قال وكانت امرأة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلا وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها وتطيل عليه الافتراء والدس وتؤجج نار الفتنة. ولما سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها حجارة فلما وقفت عليهما أخذ الله بصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ترى إلا أبا بكر فقالت يا أبا بكر أين صاحبك قد بلغني أنه يهجونا والله لو وجدته لضربته بهذا الحجر فاه ثم انصرفت فقال أبو بكر يا رسول الله أما تراها رأتك فقال ما رأتني لقد أخذ الله ببصرها عني.
وكان جيران النبي صلى الله عليه وسلم أبو لهب وعقبة بن أبي معيط وعدي بن حمراء الثقفي وغيرهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فكان بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي وربما طرحوها في برمته - أي القدر - إذا نصبت حتى إنه عليه الصلاة والسلام اتخذ حجرا ليستتر به منهم إذا صلى وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا طرحوا ذلك الأذى عليه يخرج به على العود فيقف على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه في الطريق . وقد تعرض عليه الصلاة والسلام لكثير من الأذى غير ما ذكرنا من شتم وسب ووصف بالجنون والسحر والكهانة وغير ذلك . ومع إيذاء كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الله جل وعلا قد حفظ نبيه وأيده بل وجعل الرعب في قلوب أعدائه ومما يدل على ذلك ما رواه إسحاق قال جاء رجل من إراش بإبل له إلى مكة فابتاعها منه أبو جهل فمطله الثمن فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس فقال يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام فإني رجل غريب ابن سبيل وقد غلبني على حقي فقال له أهل المجلس أترى ذلك الرجل الجالس - يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم - اذهب إليه فإنه يعينك عليه - ويقصدون بذلك السخرية منه عليه الصلاة والسلام لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة - فأقبل الإراشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله وأنا رجل غريب ابن سبيل وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يعينني عليه يأخذ لي بحقي منه فأشاروا لي إليك فخذ لي حقي منه يرحمك الله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم معه فلما رأى ذلك أهل المجلس قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء أبا جهل فضرب على بابه فقال من هذا قال محمد فاخرج إلي فخرج إليه وقد انتقع وجهه فقال أعط هذا الرجل حقه قال نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للإراشي اذهب لشأنك فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا فقد والله أخذ بحقي . ثم إن الرجل الذي أرسله أهل المجلس جاء فقالوا له ويحك ماذا رأيت قال عجبا من العجب . والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال له أعطه حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج له حقه فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه . ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء فقالوا له ويلك مالك والله ما رأينا مثل ما صنعت قط قال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته حتى ملئت رعبا ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه في فحل قط والله لو أبيت لأكلني . فتأمل في هذا الحدث لتعلم أن الله جل وعلا قد جعل الهيبة من النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب أعدائه والمواقف الدالة على ذلك كثيرة مر بعضها وسيأتي البعض الآخر .
عناد الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم ورفضهم الإيمان به مع يقينهم بأنه مرسل من عند الله . هذا وقد علم كثير من كفار قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وأن ما جاء به إنما هو وحي من الله لكن منهم الكبر عن الاستجابة للحق وكم تأثر بعضهم لسماعه للقرآن ولان قلبه لكن صناديد الكفر لم يتركه بل سارعوا إلى إغوائه وإبعاده عن التأثر بهذا الدين من ذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال لم قال ليعطوك فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله قال قد علمت أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر لها أو أنك كاره له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني ولا بأشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا والله إن لقوله الذي يقول حلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى وإنه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال فدعني حتى أفكر فيه فلما فكر قال هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت "ذرني ومن خلقت وحيدا" المدثر . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال أبو جهل والملأ من قريش لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك فأتاه فلما أتاه قال له عتبة يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب أنت خير أم عبد الله فلم يجبه قال فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسنا ما بقيت وإن كان بدا لك في الباءة زوجناك عشرة نسوة تختار من أي أبيات قريش شئت وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم " حتى بلغ "أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" سورة فصلت . فأمسك عتبة على فمه وناشده الرحم أن يكف عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة انطلقوا بنا إليه فأتوه فقال أبو جهل والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت فإن كانت بك حاجة جمعنا لك ما يعنيك عن طعام محمد فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمد أبدا وقال لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته فقص عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم * حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون* بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون" حتى بلغ "فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" فأمسكت فيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ السجدة سجد ثم قال له قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك فقام إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس قالوا يا أبا الوليد ما وراءك قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلو بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به . قالوا سحرك والله بلسانه قال هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم . ومما يدل على قناعة كفار قريش برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم بأنه رسول مرسل من الله عز وجل وامتناعهم عن اتباعه كبرا وعنادا ما رواه ابن إسحاق عن الزهري قا ل حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يلتمسون يتسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في جوف بيته وأخذ كل رجل منهم مجلسا وكل لا يعلم بمكان صاحبه فلما أصبحوا تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقالوا لا نعود فلو رآنا بعض السفهاء لوقع في نفسه شيء ثم عادوا لمثل ليلتهم فلما تفرقوا تلاقوا فتلاوموا كذلك فلما كان في الليلة الثالثة وأصبحوا جمعهم الطريق فتعاهدوا أن لا يعودوا ثم إن الأخنس أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد فقال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها فقال الأخنس وأنا والذي حلفت به ثم أتى أبا جهل فقال ما رأيك فقال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا وأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه فقام الأخنس عنه . وأخرج البيهقي في سننه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل يا أبا الحكم هلم إلى الله عز وجل وإلى رسوله أدعوك إلى الله قال أبو جهل يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا هل تريد إلا أن نشهد أنك بلغت فنحن نشهد أن قد بلغت فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقا ما اتبعتك . فانصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال وأقبل علي فقال فوالله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن بني قصي قالوا فينا الحجابة فقلنا نعم فقالوا فينا الندوة فقلنا نعم ثم قالوا فينا اللواء فقلنا نعم قالوا فينا السقاية فقلنا نعم ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي والله لا أفعل .
فهذا أبو جهل يقسم بالله أنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق في دعوته وفيما يقوله ولكنه يرفض الإيمان به كبرا وعنادا ليس إلا . الدروس والعبر: أن في استنكار الكفار لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم لها رد على بعض دعاة القومية الذين يزعمون أن محمدا عليه الصلاة والسلام إنما كان يمثل في رسالته آمال العرب ومطامحهم حينئذاك . وهذا زعم مضحك ترده وقائع التاريخ الثابتة كما رأينا وما حمل هذا القائل وأمثاله على هذا القول إلا الغلو في دعوى القومية وجعل الإسلام أمرا منبثقا من ذاتية العرب وتفكيرهم وهذا إنكار واضح لنبوة الرسول وخفض عظيم لرسالة الإسلام (الأستاذ مصطفى السباعي) أن ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم من ابتلاءات عزاء لكل مؤمن فيما يصيبه في هذه الحياة من بلاء ومصائب . (د. مهدي رزق الله أحمد) يؤخذ من موقف أبي طالب في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه عليه الصلاة والسلام حبا طبيعيا لا شرعيا وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى ومما صنعه لرسوله من الحماية إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة ولا كانوا يهابونه ويحترمونه ولتجرؤوا عليه ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء إليه وربك يخلق ما يشاء ويختار . (الحافظ ا بن كثير) أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول لعمه أبي طالب وفي رفضه ما عرضت عليه قريش من مال وملك دليل على صدقه في دعوى الرسالة وحرصه على هداية الناس وكذلك ينبغي أن يكون الداعية مصمما على الاستمرار في دعوته مهما تألب عليه المبطلون معرضا عن إغراء المبطلين بالجاه والمناصب فالمتاعب في سبيل الحق لدى المؤمنين راحة لضمائرهم وقلوبهم ورضى الله وجنته أعز وأغلى عندهم من كل مناصب الدنيا وجاهها وأموالها . (مصطفى السباعي) في حديث المغيرة بن شعبة نجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب أبا جهل بكنيته (يا أبا الحكم ) والنداء بالكنية تكريم عند العرب وقد تناسى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مواقفه السيئة في سبيل الدعوة . وهذا درس مهم يستفيد منه الدعاة إلى الله تعالى في ضبط النفس ومحاولة التودد إلى الناس من أجل الإسلام وإن سبقت منهم مواقف مؤلمة . (د. عبد العزيز الحميدي ).
رد أهل الطائف على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
اشتد الضغظ على المسلمين المتواجدين في مكة، بعد فشل مهمة الوفد الذي أرسلته قريش لإرجاع المهاجرين المسلمين من الحبشة، حيث أمعنت قريش في تعذيب المسلمين، وخصوصاً بعد وفاة أبي طالب (عليه السلام) عم النبي (صلّى الله عليه وآله).
فبوفاته فقد المسلمون ركناً أساسياً من أركان الحماية المنيعة القائمة بوجه قريش؛ إذ بعد هذه الحادثة أخذ مشركو قريش يسومون المسلمين أبشع أنواع الاضطهاد، فأخذ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يفكر في إيجاد وسيلة لرفع هذا الضغط عن المسلمين، فرأى (صلّى الله عليه وآله) أن يهاجر المسلمون من مكة، فوقع اختياره في بادئ الأمر على الطائف؛ لأنها منطقة جبلية لا تبعد عن مكة كثيراً، ومناخها معتدل صيفاً وشتاءً، وفيها خصائص اقتصادية جيدة، فكانت تنتج التمور والحبوب والرمان وغيرها من المواد، وتتاجر بها مع التجار من أهل مكة، إلى غيرها من المؤهلات التي دعت الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لاختيارها. فصمم على الهجرة إليها لكي يبني قاعدة للمسلمين هناك، وأخذ يدعو أهلها إلى الإسلام.
ولكن أهل الطائف لم يكن ردهم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأفضل من رد أهل مكة؛ وذلك لأن أهل الطائف تربطهم علاقات تجارية وعقائدية وثيقة مضافاً إلى صلة القربى مع أهل مكة، مما جعلهم على نمط واحد من التفكير، فتركهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بعد أن جاءهم ودعائهم إلى الإسلام، ولكنهم دفعوا صبيانهم وسفهاءهم لأن يتعرضوا للرسول (صلّى الله عليه وآله) ويرموه بالحجارة.
فقد روي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لما مات أبو طالب (عليه السلام) لج المشركون في أذيته، فصار يعرض نفسه على القبايل بالإسلام والإيمان، فلم يأت أحد من القبائل إلا صده ورده. فقال بعضهم: اعلم أنه لا يقدر أن يصلحنا وهو قد أفسد قومه، فعمد إلى ثقيف بالطائف فوجد سادتهم جلوسا، وهم ثلاثة إخوة، فعرض عليهم الإسلام وحذرهم من النار وغضب الجبار.
فقال أحدهم: أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك نبياً.
وقال آخر: يا محمد، عجز الله أن يرسل غيرك؟
وقال آخر: لا تكلموه إن كان رسولاً من الله كما يزعم، هو أعظم قدراً أن يكلمنا، وإن كان كاذباً على الله فهو أسرف بكلامه.
وجعلوا يستهزئون به، فجعل يمشي كلما وضع قدماً وضعوا له صخرة، فما فرغ من أرضهم إلا وقدماه تشخب دماً، فعمد لحائط من كرومهم، وجلس مكروبا، فقال: «اللهم، إني أشكو إليك غربتي وكربتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت رب المكروبين، اللهم إن لم يكن لك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي الثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك، لك الحمد حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
قيل: وكان في الكرم عتبة بن ربيعة وشيبة، فكره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما. فقالا لغلام لهما يقال له: عداس: خذ قطفين من العنب، وقدحا من الماء، واذهب بهما إلى ذلك الرجل، وإنه سيسألك أهدية أم صدقة، فإن قلت: صدقة لم يقبلها، بل قل له: هدية.
فمضى ووضعه بين يديه، فقال: «هدية أم صدقة؟ ».
فقال: هدية، فمد يده، وقال: بسم الله، وكان عداس نصرانياً، فلما سمعه عجب منه، وصار ينظره، فقال له: «يا عداس من أين؟ ».
قال: من أهل نينوى.
قال: «من مدينة الرجل الصالح أخي يونس بن متى».
قال: ومن أعلمك؟
فأخبره بقصته، وبما أوحي إليه.
فقال: ومن قبله؟
فقال: «نوح، ولوط» وحكاه بالقصة.
فخر ساجدا لله، وجعل يقبل قدميه، هذا وسيداه ينظران إليه.
فقال أحدهما للآخر: سحر غلامك، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت وقبلت يديه؟
فقال: يا أسيادي ما على وجه الأرض أشرف ولا ألطف ولا أخير منه.
قالوا: ولم ذلك؟
قال: حدثني بأنبياء ماضية، ونبينا يونس بن متى، فقالا: يا ويلك فتنك عن دينك؟
فقال: والله إنه نبي مرسل.
قالا له: ويحك عزمت قريش على قتله، فقال: هو والله يقتلهم ويسودهم ويشرفهم، إن تبعوه دخلوا الجنة، وخاب من لايتبعه، فقاما يريدان ضربه فركض للنبي (صلّى الله عليه وآله) وأسلم[1].
وقال ابن شهر آشوب: لما توفي أبو طالب (عليه السلام) لم يجد النبي (صلّى الله عليه وآله) ناصراً ونثروا على رأسه التراب، قال: ما نال مني قريش شيئا حتى مات أبو طالب، وكان يستتر من الرمي بالحجر الذي عند باب البيت من يسار من يدخل وهو ذراع وشبر في ذراع إذا جاءه من دار أبي لهب ودار عدي بن حمران ـ إلى أن قال ـ لما توفي أبو طالب واشتد عليه البلاء عمد إلى ثقيف بالطائف رجاء أن يؤوه سادتها: عبد نائل ومسعود وحبيب بنو عمرو بن نمير الثقفي، فلم يقبلوه وتبعه سفهاؤهم بالأحجار ودموا رجليه، فخلص منهم واستظل في ظل حبلة منه، وقال: «اللهم إني أشكو إليك من ضعف قوتي وقلة حيلتي وناصري، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين» فأنفذ عتبة وشيبة ابنا ربيعة إليه بطبق عنب على يدي غلام يدعى عداساً وكان نصرانيا، فلما مد يده وقال: «بسم الله».
فقال: إن أهل هذا البلد لا يقولونها.
فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): «من أين أنت؟ ».
قال: من بلدة نينوى.
فقال (صلّى الله عليه وآله): «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى».
قال: وبما تعرفه؟
قال: «أنا رسول الله، والله أخبرني خبر يونس».
فخر عداس ساجداً لرسول الله وجعل يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء، فقال عتبة لأخيه: قد أفسد عليك غلامك، فلما انصرف عنه سئل عن مقالته فقال: والله إنه نبي صادق، فقالوا: إن هذا رجل خداع لا يفتننك عن نصرانيتك، وقالوا: لو كان محمد نبيا لشغلته النبوة عن النساء ولأمكنه جميع الآيات ولأمكنه منع الموت عن أقاربه. انتهى[2].
========================
[1] حلية الأبرار: ج1 ص129 ب14 ح1.
[2] المناقب: ج1 ص67 فصل في ما لقيه (صلّى الله عليه وآله) من قومه بعد موت عمه(عليه السلام).
