الكاتب: أد.. عبد الحي الفرماوي إلى علماء الأزهر وطلابه
إن أيامنا - كما ترون - حبلى بالنوازل التي تحتاج منكم: إلى وعي بها، وفهم لها، وشجاعة فى إبداء الحكم الشرعي فيها، وإنارة للناس كيف يتصرفون حيالها؛ ذلك لأنكم أمل الأمة، ومحط أنظارهم، والممهدون لطريق عزهم وسعادتهم، فلا تجعلوا آمالهم تخيب فيكم، ولا رجاءاتهم تدفن في مقابر رهبتكم أو رغبتكم، واجعلوا مرضاة الله تعالى -دون سواه - أمام أعينكم، ولأسلافكم من علماء الأزهر وشيوخه قدوة لكم.
فهم قد صدعوا بالحق غير مبالين بذهب المعز أوسيفه؛ حتى ارتفعت بهم قامة الأزهر، وعلت كلمته، وسمت بهم مكانته في دنيا الناس أجمعين، وصار يشار إلى خريجيه وعلمائه بوافر الاحترام والتقدير من العامة والخاصة في القريب والبعيد، كما خشي طغاة الحكام من غضب علمائه، وصلابة مواقفهم، وقوة تأثير فتاواهم.
ونسوق لكم - في هذه العجالة - عينة من هذه المواقف - لبعض هؤلاء الشيوخ - الذين كانت مرضاة الله تعالى في مواقفهم هذه نصب أعينهم.
ومن هؤلاء:
أولاً: الشيخ محمد عبد اللطيف دراز (1890- 1977م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أ - موقفه من ثورة 1919م
ففى بداية عام 1919 كان الرجل متوجهًا إلى مسجد المؤيد لإلقاء درس دينى، وفى الطريق علم بأن طلاب مدرسة القضاء الشرعى بالأزهر ينوون القيام بمظاهرة ضد الاحتلال الانجليزى، فتوجه إليهم، وخطب فيهم خطبته التى انفجرت بعدها الثورة.
وقد فصل بسببها ولم يأبه لذلك ..!!
ب - موقفه من المعاملة القاسية للمجاهد عمر المختار
ففي عام 1931م أرسل برقية احتجاج إلى ملك بريطانيا لاستنكار المعاملة القاسية للمجاهد الوطنى الليبى عمر المختار.
وقد فصل - للمرة الثانية - بسببها ولم يأبه لذلك ..!!
ثانيًا: الإمام محمد مصطفى المراغي (1365هـ = 1945م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أ - موقفه من عدم استجابة الحكومة لمشروعاته الإصلاحية
حيث استقال الإمام المراغي عن مشيخة الأزهر في المرة الأولي في 10 أكتوبر 1929م عندما وجد عدم استجابة من الحكومة لمشروعاته الإصلاحية.
وظل المراغي بعيدًا عن الأزهر خمس سنوات، تولي المنصب فيها الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، إلى أن خرج الأزهر ينادي بالمراغي، وألح في النداء، وكان الرد فصل اثنين وسبعين من شيوخه وعلمائه.
وأخيرًا اضطر الملك فؤاد إلى الرضوخ لإصرار علماء الأزهر وطلابه على عودة المراغي، والمضي في مشروع إصلاح الأزهر، وسقطت الوزارات المستبدة - وعاد كل المفصولين - إلى الأزهر، وبعد أقل من شهرين عاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر في المحرم 1354هـ / 27أبريل 1935.
ثالثًا: محمد مأمون الشناوي (1878- 1950م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أ - موقفه - مع زملائه - من تحدي رغبة الملك فاروق
حيث اتجهت الأنظار بعد وفاة الشيخ محمد مصطفى المراغي إلى ثلاثة من كبار علماء الأزهر؛ ليكون أحدهم شيخًا للجامع الأزهر، والثلاثة هم:
الشيخ محمد مأمون الشناوي
والشيخ إبراهيم حمروش
والشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، ورئيس جماعة كبار العلماء.
غير أن الملك فاروق لم يكن راغبًا في تولي أحدهم المشيخة، وتطلع إلى شيخ جليل هو مصطفى عبد الرازق ليتولى منصب المشيخة، وهو جدير بالمنصب لعلمه وفضله، لكن تعيينه في هذا المنصب مخالف لقانون الأزهر الذي ينص على أن يكون اختيار شيخ الجامع الأزهر من بين "جماعة كبار العلماء"، ولم يكن مصطفى عبد الرازق حينئذ عضوًا في تلك الجماعة المرموقة.
وحاولت الحكومة المصرية تعديل قانون الجماعة بحيث يسمح بإعطاء عضويته للشيخ مصطفى عبد الرازق، فاصطدمت بالثلاثة الكبار من علماء الأزهر الذين أصروا على الرفض، ولم يكن رفضهم اعتراضًا على شخص مصطفى عبد الرازق أو تقليلاً من شأنه، ولكن كان ذلك حفاظًا على القانون، ودفعًا لطغيان السلطة التي تريد أن تعبث بهيبة علماء الأزهر ومكانتهم.
وقدم الثلاثة استقالتهم من مناصبهم، ويشاء القدر أن يتولى المعترضون الثلاثة المشيخة على التوالي، ويكون محمد مأمون الشناوي أولهم في تولي المشيخة.
رابعًا: الشيخ إبراهيم حمروش (1880- 1960م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أ - موقفه - مع زملائه - من تحدي رغبة الملك فاروق كما ذكرنا.
ب - موقفه من زيادة الميزانية المخصصة للأزهر، ودعوته إلى وحدة الأمة في وقت كانت تتعرض فيه البلاد لضغوط من الاستعمار الإنجليزي.
ج- موقفه من اعتداء القوات الإنجليزية في الإسماعيلية على الشرطة المصرية.
حيث أصدر بيانًا قويًا عندما اعتدت القوات الإنجليزية في الإسماعيلية على الشرطة المصرية، وحاصرت مقرها، وجاء في هذا البيان: "إني باسم الأزهر وعلمائه لأعلن استنكاري لهذا الإجرام الفظيع الذي اُنتهكت فيه الأعراض، واستُبيحت فيه الأموال، واعتُدي على حرية الإنسان وحقه المشروع في أن يطالب بحريته واستقلاله.. وليعلم الإنجليز أن هذه الفظائع التي يصبونها على رؤوس أبنائنا لن تُلِينَ للشعب قناة، ولن ترده عن المطالبة بجلائهم من وطننا العزيز".
خامسًا: الشيخ عبد المجيد سليم ( 1882م، - 1954م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أ - موقفه - مع زملائه - من تحدي رغبة الملك فاروق كما ذكرنا.
ب - موقفه من تبذير الحكام.
حيث أطلق عبارته الشهيرة تعليقًا على سفه الحاشية الملكية في الإنفاق على المظاهر الكاذبة: "أتقتير هنا وإسراف هناك؟"
وقد أقيل من منصبه شيخًا للأزهر عندما قال ذلك.
سادسًا: الشيخ الخضر حسين (1293 هـ /1876م - 1377هـ/1958م)
وله مواقف كثيرة مشرفة، منها:
أنه في عام اثنين وخمسين قام محمد نجيب متغطرسًا وقال: سنساوي المرأة بالرجل في جميع الحقوق، وخرجت الصحف من الغد فيها أن الرئيس محمد نجيب ذكر في خطابه أنه سيساوي المرأة بالرجل، وعندما علم بالخبر اتصل بالرئيس محمد نجيب وقال له: إما أن تكذب الخبر، وإما سأنزل غدًا بكفني إلى السوق وأدعوا الناس إلى مواجهتك.
فجاءه أعضاء مجلس الثورة جميعًا في مكتبه في مشيخة الأزهر، وقالوا له: يا شيخنا هذا الأمر صعب ولكننا نقول لك: هذا غير صحيح.
قال: لا ينفع هذا الكلام، أريد كما أعلنت أمام الملأ أن تكذب أمام الملأ، وإلا سأنزل غدًا وأنا ألبس كفني، والله لن أقف حتى أنتصر في هذه المعركة أو تذهب روحي.
قال له: يا مولانا أأنت مصر على موقفك؟
قال: نعم، فقام محمد نجيب وأعلن تكذيب الخبر وأنه مزيف، وكذا، وكذا وكيف يجوز لي أن أقول بهذا القول وهو يخالف الكتاب والسنة، وبدأ يتكلم في موقف هذا العالم الجليل -رحمه الله-.
سابعًا: الشيخ عبد الحليم محمود (1910 – 1978م)
الذي سعى - خلال توليه مشيخة الأزهر- من أجل إعادته إلى مكانته المرموقة كمنبر علمي متميز في العالم أجمع، وخاض عددًا من المعارك في سبيل ذلك، فكان الشيخ على الرغم من هدوئه قويًا لا يدع حقًا إلا سارع بالدفاع عنه والمحاربة لنصرته.
وقد واجه الشيخ عبد الحليم العديد من المواقف في حياته والتي نذكر منها:
أ - موقفه من التهكم على علماء الأزهر
وذلك عقب عودته من فرنسا، وكان ذلك في رئاسة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كان الشيخ عبد الحليم يرتدي "البدلة"، وفي أحد الخطابات التي ألقاها عبد الناصر قام بالتهكم على علماء الأزهر، وقال عليهم: " إنهم يُفتون الفتوى من أجل ديكٍ يأكلونه"، وكانت الجملة السابقة بمنزلة طعنة سددت للأزهر وعلمائه، فغضب الشيخ عبد الحليم بشدة، وشعر بالكثير من الإهانة التي وجهت للأزهر وعلمائه، فقام بخلع "البدلة"، وارتدى الزي الأزهري، وطالب زملاءه أن يحذو حذوه فاستجابوا له كنوع من التحدي، ورفع هذه الإهانة عن الأزهر وعلمائه.
ب - موقفه من تقليص سلطات شيخ الأزهر
وذلك بعد صدور قانون الأزهر الذي أصدره رئيس الجمهورية في يوليو 1974، والذي تم من خلاله تنظيم شئون الأزهر، وتحديد مسئولياته، وأن يكون تابعًا لمسئولية وزير الأوقاف وشئون الأزهر؛ مما أفقده استقلاله، وتقليص سلطات شيخ الأزهر، هذا بالإضافة للتوسع في التعليم المدني ومعاهده العليا، وإلغاء جماعة كبار العلماء.
جاء الشيخ عبد الحليم معارضًا لهذا، وسارع بتقديم استقالته احتجاجًا على ذلك. وقد أثار هذا القرار ضجة كبيرة في مصر والعالم العربي، ولم يعد إلى منصبه إلا بعد إلغاء الرئيس أنور السادات القرار، وصدرت اللائحة التنفيذية التي تخوِّل للأزهر شئونه، والتي جاء فيها: " إن شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام، وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر".
ج- موقفه من قانون الأحوال الشخصية
وذلك عندما صدر قانون الأحوال الشخصية الذي روج له بعض المسئولين بتعديله، والذي ينص على تقييد الطلاق، ومنع تعدد الزوجات خلافًا للشريعة الإسلامية، ووقف الشيخ بقوة في وجه هذا القانون قائلاً: "لا قيود على الطلاق إلا من ضمير المسلم، ولا قيود على التعدد إلا من ضمير المسلم { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [ آل عمران: 101] وبالفعل تم إلغاء هذا القانون.
د- موقفه من اقتراح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر
وذلك أنه وقف ضد اقتراح البابا شنودة بطريرك الأقباط في مصر بتأليف كتاب مشترك يجمع ما بين الدين الإسلامي والمسيحي من أجل تدريسه للطلاب في المدارس من منطلق تعميق الوحدة الوطنية، وهو الأمر الذي رفضه الشيخ، وأعلن أنه سوف يقدم استقالته فى حال نفذ هذا.
هـ- موقفه من المحاكمات العسكرية ضد جماعات التكفير.
و- موقفه الشديد ضد قانون الخمر، حيث ندَّد به في كل مكان.
ز- موقفه أيضًا من الشيوعية والإلحاد.
ح- موقفه العظيم من الوفد الباباوي.
ط- كما حاول إعادة تشكيل هيئة كبار العلماء من الأكفاء، ومِن حِسَان السمعة والعدول.
ثامنًا: الشيخ جاد الحق (1917 – 1996م)
عُرف في الفترة التي تولَّى فيها مشيخة الأزهر بمواقفه الجريئة، والصدع بما يعتقد أنه الحق والصواب، وإن خالف هوى الناس، وأغضب السلطان.
ومن مواقفه:
أ - موقفه من الجهاد الأفغاني
ذلك أنه أعلن بعد توليه المشيخة تأييد الأزهر للجهاد الأفغاني ضد المحتل الروسي.
ب - موقفه من الحرب الصليبية في البوسنة والهرسك
وذلك أنه عدَّ ما يحدث في البوسنة والهرسك حربًا صليبية جديدة؛ تهدف إلى إبادة المسلمين، ودعا إلى الوقوف إلى جانب المسلمين، والدفاع عن قضيتهم.
ج- موقفه مع المسلمين الشيشان في جهادهم للروس
د- موقفه مع الانتفاضة الفلسطينية
هـ- موقفه الواضح من رفض التطبيع مع إسرائيل
فقد أعلن رفضه لهذا التطبيع حتى إن كانت هناك اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، واشتدَّ في معارضته للتطبيع، في الوقت التي نشطت فيها حركات التطبيع في بعض مؤسسات الدولة، فأفتى بعدم جواز زيارة القدس إلا بعد تحريرها، ورفض استقبال أي وفد إسرائيلي يرغب في زيارة الأزهر، وإنْ سبَّب ذلك حرجًا للمسؤولين.
و- موقفه من مؤتمر المرأة والسكان
ذلك أنه كان لفضيلته رأي واضح في مقررات مؤتمر السكان الذي عُقد في القاهرة في (ربيع الآخر 1415هـ = سبتمبر 1994م)، فعارض دعوات الانحلال الأُسري والشذوذ، والخروج على الفطرة السليمة، وتعاون معه -في رد تلك الدعاوى- نفر من المخلصين، وكان لحضورهم هذا المؤتمر، ودحضهم تلك الدعاوى أثره في إحباط ما كان يخطِّط له القائمون على المؤتمر.
ز- أنه تكرَّر منه هذا الموقف الواضح في رفضه لوثيقة مؤتمر المرأة الذي عُقد في بكين في (جمادى الأولى 1416هـ = سبتمبر 1995م).
ح- موقفه من دعاوى التطرف
ذلك أنه هاله أن يتخذ نفر من الكُتّاب من تطرف بعض الشباب ذريعة للهجوم على الإسلام ومبادئه دون وازع من ضمير أو تسلح بثقافة وعلم، فانطلق قلمه يصدع بالحق، ويفضح سموم بعض الكتبة بقوله: "وقد أفرعت الحرية من مفهومها الصحيح، حتى صارت الدعوة إلى الفساد حرية، وصار الطعن في الإسلام وصلاحيته حرية، ثم صارت المسارعة إلى توزيع الاتهامات على الناس أسبق من نتائج التحقيق التي تقوم بها الجماعة المختصة".
ط- موقفه من مسابقة اختيار ملكة جمال النيل
ذلك أنه حين أعلنت بعض الصحف عن مسابقة لاختيار ملكة جمال النيل، فزع من تطرف بعض المترفين وانسياقهم وراء الهوى والضلال، وكتب مقالة في غاية القوة والبيان بعنوان "أوقفوا هذا العبث باسم وفاء النيل"، وعدَّ هذا التصرف الطائش عودة إلى سوق النحاسة والرقيق الأبيض، وردَّة إلى الجاهلية العمياء، لا يُفرَّق فيها بين الحلال والحرام.
هذه نماذج من علماء الأمة الذين رفعوا راية الإسلام وحفظ الدين. وفي أيامنا هذه لا نعدمهم فهم كثر، يرفعون رايته، وينشرون وسطيته، ويقفون في وجه الطغيان عملاً بتعاليم دينهم .
ولكن هناك من هم أدوات رخيصة في أيدي الحكام، ويعمل الحكام على استخدامهم استخدامًا لا يسيء للدين - فالدين الله حافظه، لقوله تعالى ( إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) - وإنما هذا الاستخدام يسيء لهؤلاء العلماء الذين يعلمون علم اليقين أن ما يريده الحكام يخالف شرع الله، ورغم ذلك يعملون على الإفتاء لهم بما يخدم مسعاهم وهدفهم؛ رغبة في ذهب المعز أو رهبًا من سيفه.
منقول من موقع هدى الاسلامhttp://www.hadielislam.com/articles/article.php?c=491&a=29133

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق